ميرزا محمد حسن الآشتياني
9
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
هناك تعارض أصالة عدم تقدم كل من الحالتين بأصالة عدم تقدّم الأخرى وإن منع منه نظرا إلى العلم بحدوث التكليف بالحرمة بالنّسبة إليهما من العلم بحصول الجنابة والمفروض الشّك في ارتفاعها منع من استصحابها أيضا وبالجملة لم يعلم وجه لتخلف استصحاب البراءة من أصل البراءة في المقام وأمّا ما ذكره بعض الأفاضل من مورد التخلف في مسألة القضاء فلم يعلم له محصّل أيضا لأنه على القول بكون القضاء بالفرض الجديد كما هو مبنى الرجوع إلى أصالة البراءة كما يجري أصالة البراءة عن القضاء عند الشك في الفوت كذلك يجري استصحاب البراءة الأزليّة عن التكليف بالقضاء لفرض الشك في أصل حدوثه بالفرض فيستصحب عدمه من غير فرق بين العلم بالفوت في الجملة وتردّد الغائب بين الأقلّ والأكثر وعدم العلم به كما هو الظاهر بما فرضه هذا على القول بكون القضاء بالفرض الجديد وأما على القول بكونه بالفرض الأول فيجري أصالة الاشتغال بالنسبة إلى خارج الوقت عند الشك كما يجري بالنسبة إلى الإتيان عند الشك في الإتيان في بعض أجزاء الوقت إلا أن يتمسك بقاعدة الشك بعد خروج الوقت ولا دخل لها بأصل البراءة كما هو ظاهر وبالجملة لا إشكال في عدم انفكاك البراءة عن الحالة السابقة وإن لم يجر الاستصحاب في مورد جريان البراءة وكذا العكس على ما عرفت شرح القول فيه وستعرفه [ في أنّ المبحوث عنه هل هو من المسائل الأصوليّة والفقهيّة أو من باب المبادي الأحكاميّة ] ( الثاني ) أن البحث عن حكم الشك في المقام هل هو بحث عن المسألة الأصوليّة أو الفقهيّة أو المبادي الأحكامية وجوه لكل وجه أوجهها عند شيخنا قدس سره الأوّل نظرا إلى أنه الأوفق بتعريف الأصول بأنه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة وإلى أنه لا حظّ للعامي فيه وهذا من خواص المسألة الأصوليّة فإنّها لمّا مهدت للاستنباط لم يكن حظ لغير المستنبط فيها وإلى عنوانه في علم الأصول وذكره في عداد الأدلّة العقليّة فلا فرق فيما ذكر بين الاستناد في البراءة أو الاحتياط إلى حكم العقل بهما أو إلى النقل وربما يرجّح الثاني نظرا إلى أن التكلم في هذه المسألة نظير التكلم في سائر القواعد الفقهيّة المستفادة من الأدلّة كقاعدة نفي الجرح والضرر والتسلط واليد وأشباهها وإن استفيدت من الأدلّة بإعمال المسائل الأصوليّة كما هو الشأن في استنباط جميع المسائل الفرعيّة هذا كله بناء على كونها قاعدة ظاهريّة سواء كان مدركها العقل أو النقل وأمّا بناء على كون اعتبارها من باب الظن فالتكلم فيها نظير التكلم في الاستصحاب من باب الظّن وسيجيء شرح القول فيه في الجزء الثالث من التعليقة كما أنك ستقف على كون مختاره في باب الاستصحاب ربما ينافي ما أفاده في المقام في مجلس البحث ( الثالث ) أنه قد يستشكل في جعل البراءة والاشتغال العقليين من الأدلّة العقلية أو الأحكام الظاهريّة الثابتة للشاك لأن الذي يحكم به العقل في باب البراءة هو مجرّد قبح العقاب من غير بيان ومعلوم أن هذا لا دخل له بالحكم الشرعي وحكمه بعدم الوجوب ظاهرا على تقدير تسليمه ليس حكما بالحكم الشرعي ضرورتان الحكم الشرعي هو الوجوب لا عدمه وإلا لزم جعل الأحكام الشرعية عشرة لا خمسة وجه اللزوم كوجه بطلان التالي أظهر من أن يحتاج إلى البيان والترخيص المطلق اللازم لنفي الوجوب ليس من الأحكام الشرعيّة أيضا نعم هو جنس لما عدا الحرام من الأحكام الأربعة ومنه يظهر تطرق الإشكال إلى جعل البراءة من الأحكام الظاهريّة إذا استندت إلى الشرع أيضا بالنسبة إلى أكثر أخبارها فإن مساقه مساق حكم العقل كحديث الرفع وأشباهه ممّا يكون ظاهرا في نفي المؤاخذة فإن الظاهر منه تأكيد حكم العقل بذلك هذا بالنّسبة إلى حكم العقل في باب البراءة وأما حكمه بالاشتغال فلأن مبناه كما عرفت الإشارة إليه مرارا وستعرف الكلام فيه تفصيلا على وجوب دفع الضرر المحتمل ومن المعلوم أن حكمه بذلك إرشاديّ محض لا يستتبع حكما شرعيّا في الواقعة لا واقعيّا أو لا ظاهريا بل الأمر كذلك في حكمه بوجوب دفع الضرر المظنون أو المقطوع فضلا عن المحتمل على ما أسمعناك في محلّه ومنه يظهر الكلام فيما لو استند فيه إلى الشرع أيضا فإن مساق أخباره بأسرها مساق حكم العقل على تقدير تسليم دلالتها على وجوب الاحتياط اللّهمّ إلّا أن يقال كفاية هذا المقدار في جعل الاشتغال من الأصول الظاهرية فإنه أيضا نحو من الحكم بالوجوب وإن لم يكن طلبا شرعيّا مولويا فبقي الإشكال بالنسبة إلى البراءة فإن قلت إنا نفرض الكلام فيما لو دار الأمر بين الوجوب والإباحة فإذا نفي الوجوب بالأصل المذكور ثبتت الإباحة من جهة الدوران المفروض وهي من الأحكام الشرعيّة وهكذا في دوران الأمر بين الوجوب والاستحباب ونحوه قلت مضافا إلى عدم اختصاص محل الكلام بدوران الأمر بين الحكمين أنه مبنيّ على جواز إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر بالأصل ضرورة تضادّ الأحكام بأسرها وهو ممنوع عندنا على ما عرفت الإشارة إليه وستعرف الكلام فيه مفصّلا من عدم جواز التعويل على الأصول المثبتة من غير فرق بين الاستصحاب وغيره من الأصول هذا ويمكن الذبّ عن الإشكال المذكور بأن العقل يحكم في موارد البراءة من جهة حكمه بقبح العقاب من دون بيان بعدم الحرج في الفعل والترك وجواز كل منهما وهذا المعنى مساوق للإباحة الظاهريّة ولا ينافيه العلم الإجمالي بكون حكم الواقعة في نفس الأمر غير الإباحة في بعض الموارد كما لا ينافي العلم المزبور الحكم بالإباحة الشرعيّة الظاهرية في ذلك الموارد فتأمل [ في الفرق بين أصالة الإباحة والبراءة في تحقيق أن أصالة الإباحة قسم من أصالة البراءة ] ( الرابع ) أن الوجه في عنوانهم أصالة الإباحة مستقلّا في قبال أصالة البراءة والفرق بينهما وإن كان مذكورا في محلّه وتقدّمت الإشارة إليه في الجزء الأوّل من التعليقة إلا أنا نشير إلى جملة من وجوه الفرق في المقام أيضا منها أن أصالة الإباحة في مقام نفي احتمال التحريم وأصالة البراءة في مقام نفي احتمال الوجوب ومنها أن التكلم في أصالة الإباحة من حيث حكم